تقع مدينة فيسبي على الجانب الغربي من جزيرة غوتلاند وسط بحر البلطيق، وتحتضن نحو 24 ألف نسمة يتشاركون يومياتهم مع موجات سياحية تتضاعف في الصيف لتبلغ ما يقارب مليون زائر سنوياً تتركز غالبيتها خلال أشهر معدودة. هذا الاختلال الحاد بين عدد السكان وحجم الوافدين يُفضي إلى تحولات عميقة في نسيج الحياة اليومية، يصفها بعض الأهالي بأنها تجعلهم يحسون وكأنهم معروضون في حديقة حيوان لا يتحكمون في أبوابها.
مدينة فيسبي المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو بسبب أسوارها المحصنة الممتدة على 3.4 كيلومترات لا تمتلك أي تحصين يقيها من التدفق البشري الموسمي. ثلاثة أسابيع بعينها ترفع الضغط إلى ذروته: أسبوع العصور الوسطى في أغسطس الذي يستقطب أكثر من مئة ألف زيارة، وأسبوع ستوكهولم الذي تغزو خلاله الشريحة الثرية من العاصمة المدينة بقواربها الفارهة، وأسبوع "ألمدالن" الذي يُحوّل الجزيرة إلى منتدى سياسي موسمي. خارج هذه الذروات تبدو المدينة القديمة شبه فارغة؛ مركز تجاري موسمي يعمل صيفاً ويُغلق شتاءً، ما يُقلّص الحيوية المدنية ويُضعف جدوى الخدمات العامة على مدار السنة.
ومما يُضاعف الأثر الاجتماعي لهذه الظاهرة أن غوتلاند تُسجّل أدنى متوسط دخل في السويد، في حين تأتي إليها نسبة كبيرة من الزوار والمشترين من ستوكهولم التي تحتل الطرف الآخر من السلم الاقتصادي. الفجوة هذه أشعلت سوق العقارات؛ فبين عامَي 2006 و2016 ارتفعت أسعار المساكن داخل الأسوار التاريخية بنسبة 146 بالمئة، وهو ما يعني بصياغة أخرى أن البيوت تحوّلت إلى "أصول استثمارية جمالية" على حدّ وصف أستاذ علم الاجتماع في جامعة أوبسالا الذي رصد ظاهرة الجنتريفيكاسيون المتسارعة في قلب المدينة. الباحثون الذين أجروا مقابلات معمّقة مع سكان فيسبي في دراسة جامعية صدرت عام 2024 خلصوا إلى أن الأهالي يشعرون بالإقصاء التدريجي من المركز التاريخي لمدينتهم، مُحلّين محلّهم شققَ الإيجار قصير الأمد والمحلات التي تعمل لموسم وتختفي.
الأزمة لا تتوقف عند الإسكان والاقتصاد، بل تمتد إلى ما هو أكثر حيوية: المياه. مستويات المياه الجوفية في غوتلاند بلغت مستويات متدنية تاريخية في صيف 2025، ما دفع السلطات الإقليمية إلى تخفيض ضغط الشبكة في فيسبي وعدة مناطق أخرى. وفي مارس 2026 نشرت منطقة غوتلاند الإدارية تحذيراً رسمياً يطلب من المنازل والمشاريع التجارية الحدَّ من استهلاك الماء البلدي وقصره على الشرب والطبخ والنظافة الشخصية، فيما أفادت تقارير بأن منشأة تحلية مؤقتة ستُشغَّل قرب فيسبي في يونيو 2026 ريثما تنجز حلول دائمة. تراجع هطول الأمطار ومحدودية الخزانات الطبيعية في جزيرة معزولة جغرافياً كانا دائماً عاملَين هشّين، لكن الطلب المتضاعف الناجم عن الموسم السياحي يُحوّل الهشاشة إلى أزمة.
في مواجهة هذا الواقع، يطرح المسؤولون المحليون فرضَ رسوم على السياح، إذ طالبت رئيسة المجلس الإقليمي ميت فولين بمنح الجزيرة صلاحية تحصيل ضريبة موسمية بحجة أن الأموال التي يُنفقها الزوار لا تعود إلى خزينة غوتلاند بل تذهب إلى بلدياتهم الأصلية، مُشيرةً إلى نماذج أوروبية ناجحة في هذا المجال. بيد أن القانون السويدي الحالي لا يُجيز الضريبة السياحية، وسط تساؤلات متصاعدة حول مدى قدرة هذه الآلية وحدها على معالجة اختلال بنيوي أعمق. الحلقة المفرغة تبدو واضحة: السياحة ضرورة اقتصادية لمنطقة محدودة الدخل، لكنها في الآن ذاته تضخّ ضغطاً على البنية التحتية والسكن والموارد الطبيعية بوتيرة تفوق قدرة الجزيرة على الاستيعاب.
ما تعيشه فيسبي ليس حالة منفردة، بل يتردد صداها في أرخبيلات سويدية أخرى؛ فدراسة أكاديمية نُشرت عام 2025 في مجلة متخصصة بالسياحة المستدامة تُثبت أن سكان أرخبيل غوتنبرغ يُسجّلون درجة أعلى من القلق إزاء الاكتظاظ مقارنة بنظرائهم في أرخبيل ستوكهولم، ويعكس ذلك حالة تفاوت إقليمي داخل بلد لا يُصنَّف عموماً ضمن وجهات السياحة المفرطة. وإن كانت بيانات جهاز الإحصاء السويدي تُشير إلى أن أكثر من نصف طاقة الإيواء التجاري تظل شاغرة طوال العام، فإن هذا الرقم يُخفي تركّزاً حاداً: فالمناطق الجزرية ذات الجاذبية الموسمية تستوعب في أسابيع قليلة ما يفوق طاقتها الاستيعابية، بينما يظل باقي البلد بمعزل عن هذا الضغط. معادلة لم تجد لها إدارة الجزيرة، حتى اليوم، سوى حلول جزئية.


