حين تتحول المدينة إلى ساحة لعب حضرية

أضيف بتاريخ 06/08/2026
منصة مراكش

تطرح مساهمة منشورة على منصة The Conversation سؤالاً بسيطاً في ظاهره لكن كثيف الدلالات للفاعلين urbains والإعلاميين: ماذا يحدث عندما تُنقل رهانات المدينة إلى عالم اللعب، ليس كاستعارة بل كتجارب مادية في الشارع، في السياحة وفي المشاركة citoyenne. ينقل هذا السؤال النقاش من مستوى الخطاب التخطيطي المجرد إلى مستوى الاستخدام اليومي للفضاء العام، حيث يصبح المسار، وسلّة القمامة، والرمز السياحي، مكونات لآليات لعبية تُختبر فيها علاقة السكان بمدينة تُعاد برمجتها عبر قواعد بسيطة.



من الأمثلة التي يتوقف عندها المقال تجربة مدينة ليل، حيث حُوّلت بعض الحاويات في الفضاء العام إلى «أهداف» يمرّ عبرها مسار على شكل لعبة «المربعات» أو سلال كرة سلة مرسومة على الأرض، بهدف دفع المارة للسير لبضعة أمتار إضافية لإيداع النفايات في المكان الصحيح. هذا النوع من التجهيزات، الذي تناولته أيضاً تقارير تلفزيونية مثل تقرير France 3 Hauts-de-France وحملة «Nuage» بلِيل التي تعتمد رسومات ومربعات ملوّنة قرب الحاويات، يقدَّم كنموذج لـ«تغليف» رسالة المسؤولية المشتركة حول نظافة الشارع في تجربة قصيرة ومرِحة، بحيث يُعاد توزيع الأدوار بين البلدية والمواطن عبر وسيط اللعب.

المسألة لا تتوقف عند السلوكيات الدقيقة المرتبطة بالنظافة أو الانضباط في الفضاء العام، بل تمتد إلى طريقة اكتشاف المدينة نفسها. في شامبيري، استند مكتب السياحة إلى رمزية نافورة الأفيال، فثبّت في الشوارع ميداليات معدنية صغيرة على شكل أفيال تُرشد المارة عبر مسار بديل لا يتبع خريطة تقليدية بل «قصة» تُروى بخطوات الزائر. يوافق هذا المنطق ما تطوّره منصات مثل Totemus التي تقترح مئات «صيد الكنوز» الحضرية في بلجيكا وشمال فرنسا، حيث يتحول النسيج السياحي إلى لعبة ميدانية تستدعي إسناد المعارف التاريخية والمعمارية إلى سلسلة ألغاز قصيرة. في هذا الإطار، تصبح المدينة لوحة لعب مفتوحة، ويصبح كل اختيار للمسار نوعاً من التصويت الصامت على ما يستحق أن يُرى ويُعاد زيارته.

في مستوى آخر أكثر استراتيجياً، يتقاطع هذا التوجه مع انتشار «الألعاب الجادة» التي تتعامل مع المدينة كمنظومة معقدة ينبغي تمثيلها جماعياً. لعبة «فِرِسكة المدينة» صُمِّمت لتقديم نظرة تركيبية على قضايا الامتداد العمراني، استهلاك الأراضي، الضغط على الموارد وفقدان القدرة على الصمود الحضري، عبر ورش جماعية تجمع منتخبين وتقنيين ومواطنين حول طاولة واحدة. لعبة «Plus belle ma ville»، التي طوّرتها وكالة التخطيط Audélor في منطقة لوريان، تستخدم بدورها مجسّمات خشبية ولوحات تمثّل أربعة أنماط حضرية، وتدعو المشاركين إلى التوفيق بين أهداف الاستيعاب السكاني ومبادئ التنمية المستدامة. كما تبيّن مساهمات لاحقة لإيزابيل باتروي في مشروع «Et si… le jeu…» تقاطع هذا المنطق مع عالم الكتاب والمكتبات، عبر ألعاب قصصية مثل «Public Déclic» توظّف الخيال لتجديد العلاقة بالمؤسسات الثقافية.

البعد البحثي حول «اللعب الحضري» يتجاوز الأمثلة التواصلية إلى تقييم أثر التلعيب في المشاركة citoyenne. دراسة ميدانية حول استخدام تطبيق محمول في مسار تشاركي لتصميم مناظر طبيعية أظهرت أن عناصر التلعيب، حين تُدمج في مسابقة أو لعبة استكشاف، تعزّز حوافز المشاركين وتسهّل جمع معارفهم حول المكان. تجربة أخرى قارنت تطبيقين مخصّصين للمشاركة المدنية، أحدهما مفعّل بآليات اللعب والآخر خالٍ منها، فخلصت إلى تحسّن التجربة وانخراط أكبر مع النسخة الملعّبة، وإن بقي النقاش مفتوحاً حول مدى استمرارية هذا الانخراط على المدى البعيد. في الوقت نفسه، تقترح دراسة حول استخدام منصة Roblox في تخطيط المدينة الجديدة في إندونيسيا أن التمثيل التفاعلي للبيئة المبنية يساعد الأطفال على بلورة تصورهم للمدينة «المثالية» ويتيح إدراج رؤيتهم في النقاش التخطيطي الرسمي.

على المستوى النظري، تُظهر أعمال حديثة حول «تلعيب المواطَنة» أن التطبيقات والمبادرات التي تكافئ السلوكيات المرغوبة – من تقليل استهلاك الطاقة إلى التطوع – تعيد تعريف «المواطن الجيد» عبر واجهات متدرجة ونقاط وجوائز رقمية. حين تُنقل هذه المنطقية إلى الفضاء الحضري المادي، يتحول رمي النفايات في الحاوية أو التزام مسار مشاة معيّن إلى خطوة داخل لعبة أوسع، ما يطرح أسئلة إعلامية حول الحدود بين التحفيز والضبط، وبين المشاركة الطوعية وإعادة تشكيل السلوك عبر تصميم التجربة. هذا يفتح أمام الصحافة مجالاً لتحليل البُعد الحُكمي لهذه الألعاب، من اختيار قواعدها إلى الجهات المالكة للبيانات الناتجة عنها.

من زاوية pratiques professionnelles في غرف الأخبار، يوفّر هذا الحقل الناشئ عدة زوايا تغطية: تتبّع الانتشار التاريخي لـ«الألعاب الحضرية» منذ السبعينيات، كما أشارت إليه أعمال دوبوي حول «jeux urbains»؛ رصد انتقالها اليوم إلى صيَغ هجينة تجمع مجسمات مادية، تطبيقات محمولة وسيناريوهات قصصية؛ وقراءة هذه المبادرات كأدوات مصغّرة لسياسات عامة تُختبر في الشارع قبل أن تُصاغ في نصوص تنظيمية. بالنسبة لصحفي متابع لشأن المدينة، يشكّل تحليل لغات هذه الألعاب (بصرية، سردية، رقمية) مدخلاً لفهم أي جمهور تستهدفه فعلاً، وكيف تعيد رسم الحدود بين الخبير والتقني والمقيم العابر.

في المقابل، تطرح هذه المقاربة أسئلة حادة حول شمولية المشاركة. كثير من الألعاب الحضرية يتطلب حركة في الفضاء العام أو امتلاك هاتف ذكي أو إلماماً مسبقاً بالثقافة اللعبية، ما يمكن أن يستبعد فئات من كبار السن، الأشخاص ذوي الإعاقة أو السكان غير المتصلين رقمياً. كما أن تحويل مشكلات بنيوية – مثل التفاوت الاجتماعي أو القدرة على الوصول إلى الخدمات – إلى تحديات لعبية قصيرة قد يختزل تعقيدها أو ينقل المسؤولية إلى الأفراد بدل مناقشة الخيارات البنيوية في التخطيط والتمويل. لذلك يبدو هذا المجال مجالاً خصباً لتحقيقات صحفية تستجوب شروط تصميم اللعبة، وعلاقتها بأجندات الحكامة الحضرية، بدل الاكتفاء بتغطية طابعها المبتكر.

 يُلاحظ ظهور مشاريع لـ«ألعاب مسار» حضرية في مدن مغاربية، تُطرح مثلاً في وثائق تصورية لرحلات استكشافية تعتمد تطبيقات محمولة لاستكشاف الأحياء عبر ألغاز مستلهمة من التاريخ المحلي. بالنسبة لغرف الأخبار في المنطقة، يُمكن تتبّع انتقال هذه النماذج من أوروبا الغربية نحو مدن شمال إفريقيا، وسؤال الكيفية التي تُعاد بها كتابة سردية المدينة في هذه التجارب: أي مَعالم تُختار، أي أصوات تُروى، وأي تخيلات للمستقبل الحضري تُبرمج ضمن قواعد اللعبة. هذا يفتح مجالاً لتغطيات تجمع بين الصحافة الحضرية وصحافة البيانات وصحافة الألعاب، وتضع «اللعب في المدينة» ضمن خرائط أوسع لتحولات الديمقراطية المحلية والفضاءات العامة.